كلمتي في أجتماع أيسيسكو

التنشئة الحضاريه

11/3/2026

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ لِلَّهِ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ.

اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَانْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا، وَزِدْنَا عِلْمًا.

أصحابَ المعالي والسعادة،
الإخوةَ والأخوات،

أتقدم بالشكر إلى منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) على تنظيم هذا اللقاء العلمي حول موضوع التنشئة الحضارية، وهو من أهم الموضوعات التي تواجه مجتمعاتنا الإسلامية اليوم.

لقد عشت في الولايات المتحدة منذ ستينيات القرن الماضي، وشاركت على مدى عقود في العمل التعليمي والمجتمعي وخدمة الجالية المسلمة. وقد أتاحت لي هذه التجربة الطويلة فرصة متابعة أجيالٍ متعاقبة من المسلمين الأمريكيين، وتأمل التحديات التي واجهتهم وهم يحاولون التوفيق بين إيمانهم وواقعهم المعاصر.

ومن خلال هذه التجربة توصلت إلى قناعةٍ مفادها أن التحدي الأكبر الذي يواجه أبناءنا ليس فقدان الهوية بقدر ما هو غياب الرؤية.

فالمسلم المولود في الغرب يتلقى في كثير من الأحيان ثقافة آبائه وأجداده، ويتعلم عاداتهم وتقاليدهم، وقد يعتقد أن ثقافته هي الإسلام ذاته.

لكن عندما يلتقي بمسلمين من ثقافاتٍ وأعراقٍ وجنسياتٍ متعددة، يبدأ سؤالٌ مهم بالظهور:

ما الذي ينتمي إلى الإسلام فعلًا؟ وما الذي ينتمي إلى الثقافة؟

ومن هنا أرى أن مهمتنا الأساسية ليست المحافظة على الثقافة الموروثة، بل بناء فهمٍ واعٍ للإسلام نفسه.

وأعتقد أن نقطة البداية يجب أن تكون من لا إله إلا الله.

هذه الكلمة ليست مجرد شعارٍ ديني، وليست مجرد عبارةٍ تُتلى باللسان، بل هي رؤيةٌ للإنسان والكون والحياة.

إنها تعني أن لهذا الكون خالقًا واحدًا، وأن الحقيقة في أصلها واحدة، وأن الإنسان مسؤول أمام خالقه، وأن جميع البشر متساوون في كرامتهم الإنسانية، وأن المعرفة قيمةٌ مقدسة لأن الله خلق الكون وفق نظامٍ يمكن للعقل أن يكتشفه ويتدبره. وقد قال سبحانه

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: 190)

ولكنني حين أدعو إلى جعل هذه كلمة لا اله الا الله محورًا للتنشئة الحضارية، لا أقصد اختزال الإسلام أو التقليل من مكانة رسالة محمد ﷺ.

بل على العكس.

فيمكنني أن ألخص رؤيتي في عبارةٍ واحدة:

لا إله إلا الله تحدد الوجهة، ومحمد رسول الله تبين الطريق.

فالتوحيد هو الرؤية المؤسسة، والنبوة هي التطبيق العملي لهذه الرؤية في حياة الإنسان والمجتمع.

ومن هذا المنطلق أرى أن كل مسجدٍ، وكل مدرسةٍ، وكل مؤسسةٍ إسلامية، تحتاج إلى ما أسميه العقد المؤسس.

ليس المقصود بالعقد المؤسس وثيقةً إدارية، وإنما مجموعة المبادئ والقيم التي يجتمع حولها أفراد المجتمع، والمستمدة من «لا إله إلا الله» والمستنيرة بهدي الرسول ﷺ.

وبعد الاتفاق على هذه المبادئ، تأتي البرامج والمبادرات والتطبيقات التي قد تختلف من بلدٍ إلى آخر ومن مجتمعٍ إلى آخر حسب اختياجاتهم.

أما الأساس فيبقى واحدًا.

وهنا أصل إلى جوهر مفهوم التنشئة الحضارية.

إن القرآن الكريم لا يكتفي بتعليم العقيدة، بل يرسم صورة الإنسان الذي تحقق فيه أثر العقيدة.

ففي سورة الأحقاف يذكر الله بر الوالدين، والشكر، والعمل الصالح، والإصلاح، والتوبة، والاستسلام لله، ثم يختم هذه المنظومة بقوله تعالى:

﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ صدق الله العظيم

وهنا يبرز سؤالٌ تربويٌّ بالغ الأهمية:

ما الهدف الذي نسعى إلى تحقيقه في أبنائنا؟

هل هدفنا أن نحفظ لهم بعض العادات والتقاليد؟

أم أن نساعدهم على أن يصبحوا من هؤلاء الذين تحدث عنهم القرآن؟

إن الآية تقدم نموذجًا متكاملًا للإنسان الحضاري:

إنسانٌ يعرف ربه ويشكره، ويكرم والديه، ويعمل صالحًا يرضاه الله، ويهتم بإصلاح الجيل القادم، ويُراجع نفسه بالتوبة المستمرة، ويُسلم وجهه لله عن وعيٍ واقتناع. وهذه خطه متكامله عن تنشئة جيل مؤمن منتج.

ومن اللافت أن الله سيحانه وتعالى لا يقول:

“نتقبل منهم أعمالهم”

بل يقول:

﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾

وكأن القرآن يعلمنا أن التربية الناجحة هي التي تساعد الإنسان على استخراج أفضل ما فيه.

إن التنشئة الحضارية لا تبدأ بتلقين الطفل مجموعةً من المعلومات، بل تبدأ بمنحه رؤيةً تجيب عن الأسئلة الكبرى:

لماذا أنا هنا؟

ولماذا أؤمن؟

ولماذا أتعلم؟

ولماذا أخدم الآخرين؟

وما مسؤوليتي تجاه مجتمعي وتجاه الإنسانية؟

عندما يمتلك الشاب أو الشابة إجاباتٍ عن هذه الأسئلة، يصبح قادرًا على أن يكون فاعلًا في الحضارة لا مجرد مستهلكٍ لها.

ومن تجربتي الطويلة، وجدت أن الذين ينجحون في الإسهام الحضاري ليسوا بالضرورة أولئك الذين تلقوا أكبر قدرٍ من المعلومات الدينية، بل أولئك الذين فهموا مقاصد إيمانهم ورسالتهم في الحياة.

لذلك فإن دعوتي اليوم هي أن ننتقل من التركيز على توريث الثقافة إلى بناء الرؤية، ومن المحافظة على العادات إلى ترسيخ المعنى، ومن تعليم الانتماء الشكلي إلى تأسيس الانتماء الواعي.

إن غاية التنشئة الحضارية في التصور القرآني ليست مجرد المحافظة على هوية المسلمين، بل بناء الإنسان الذي يعرف ربه، ويشكر نعمه، ويكرم والديه، ويعمل الصالحات، ويخدم مجتمعه، ويُصلح ما حوله، ويجدد توبته، ويعيش مسؤولًا أمام خالقه.

فإذا نجحنا في ذلك، نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لصناعة الإنسان الحضاري الذي تحتاجه أمتنا ويحتاجه عالمنا في القرن الحادي والعشرين.

الإنسان الذي لا تُقاس قيمته بما ورثه من ثقافةٍ أو عِرقٍ أو انتماء، بل بما يقدمه من خيرٍ وإصلاحٍ ونفعٍ للناس.

الإنسان الذي وصفه القرآن بقوله:

﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾

فهذا هو النجاح التربوي الأكبر، وهذا هو المعيار القرآني الذي ينبغي أن نقيس به نجاح مؤسساتنا التربوية ومشروعاتنا الحضارية.

إن أعظم ما يمكن أن نورثه لأبنائنا ليس ثقافتنا، بل القدرة على أن يهتدوا بالوحي، ويستخدموا عقولهم، ويؤدوا رسالتهم في عمران الأرض وخدمة الإنسان.

والسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.

Back to Top