بقلم الدكتور صافي قصقص
مقدمة: لماذا نعيد النظر في ترجمة القرآن اليوم؟
في زمن تداخلت فيه الثقافات، وتنوعت فيه وسائل التواصل، وأصبح النص القرآني في متناول كل إنسان عبر شاشة هاتفه، برزت ترجمة معاني القرآن كحاجة ملحّة لا غنى عنها. لكن السؤال الذي يطرحه القارئ العربي اليوم: لماذا هذا الكمّ من الترجمات؟ ولماذا تختلف ترجمات القرآن عن ترجمات أي كتاب آخر؟ ولماذا لا نكتفي بترجمة واحدة “نهائية”؟
الجواب يكمن في طبيعة القرآن نفسه: كتاب معجز في لغته، متجدد في دلالاته، مفتوح للتأويل ضمن ضوابطه، ومخاطب لكل زمان ومكان. وهذا ما يجعل ترجمته ليست مجرد نقل حرفي، بل اجتهاداً تفسيرياً يتحمل مسؤولية فهم النص وتوصيل رسالته.
في هذا المقال، نستعرض تاريخ ترجمة معاني القرآن إلى الإنجليزية، ونكشف تعقيداتها اللغوية والتفسيرية، ونقدّم رؤية منهجية جديدة تجسّدت في مشروع “الفهم المعاصر للقرآن ” للمترجم صافي قصقص.
المحور الأول: رحلة الترجمات الإنجليزية.. من العداء إلى الاحترام
البدايات في ظل الصراع الديني
تعود أول ترجمة كاملة للقرآن إلى الإنجليزية إلى عام 1649م على يد ألكسندر روس، التي كانت منقولة عن الفرنسية لا عن العربية، وصدرت في سياق سياسي متوتر بعد إعدام الملك تشارلز الأول. استُخدمت الترجمة كأداة سياسية لمهاجمة الخصوم، لا كجسر للفهم الحضاري.
ثم جاءت ترجمة جورج سيل (1734م) التي ظلت مرجعاً للغرب قرابة قرنين، لكنها حملت نزعة عدائية صريحة، حيث وصف القرآن في مقدمته بأنه “تزوير ظاهر”، وأضاف تعليقات مغرضة في الحواشي تهدف إلى تشويه الإسلام.
مرحلة النضج الأكاديمي
مع ترجمة آرثر آربري (1955م)، بدأ التحول نحو موضوعية أكاديمية، حيث ركز آربري – وهو مستشرق غير مسلم – على الجانب الأدبي والجمالي للنص، وحاول محاكاة إيقاع القرآن في الإنجليزية، رغم بقاء بعض الأخطاء التفسيرية.
مرحلة الترجمات الإسلامية التصحيحية
في ثلاثينيات القرن العشرين، ظهرت ترجمتان إسلاميتان مؤسستان:
أولهما ترجمة محمد مارمادوك بيكثال (1930م)، وهي ترجمة حرفية محافظة بأسلوب إنجليزي كلاسيكي يذكّر بترجمة الملك جيمس للكتاب المقدس، لكنها تفتقر إلى الشروح التفسيرية.
وثانيهما ترجمة عبد الله يوسف علي (1934م)، وهي ترجمة تفسيرية غنية بالحواشي، بأسلوب أدبي واضح، موجهة للدعوة وتعريف الغرب بالإسلام.
ثم توالت الترجمات، فجاءت ترجمة محمد أسد (1980م) وهي ترجمة تفسيرية عقلانية تخاطب المثقف الغربي، وتعتمد على قراءة مقاصدية للنص. وفي عام 1977م صدرت ترجمة الهلالي وخان، وهي ترجمة سلفية تتميز بالحرفية الشديدة وإضافة تفسيرات بين قوسين وفق المنهج السلفي.
المحور الثاني: تعقيدات الترجمة القرآنية.. بين الحرف والروح
التحديات اللغوية
تتمثل أبرز التحديات اللغوية في الفروق البنيوية بين العربية والإنجليزية، فالعربية لغة اشتقاقية تعتمد على الجذور الثلاثية، بينما الإنجليزية لغة تحليلية، مما يجعل التطابق الحرفي مستحيلاً في كثير من المواضع. كما أن المفردات ذات الدلالات المتعددة، مثل “التقوى” و”البر” و”الفلاح”، ليس لها مقابل دقيق في الإنجليزية، مما يضطر المترجم إلى اختيار أقرب المكافآت مع احتمال فقدان بعض الدلالات. إضافة إلى ذلك، فإن القرآن لا يستخدم المترادفات كاملة، بل لكل كلمة دلالة خاصة، وهذا الثراء الدلالي يضيع غالباً في الترجمة.
التحديات البلاغية
أما التحديات البلاغية فهي أخطر، لأن الإعجاز الأسلوبي للقرآن، من سجع وفواصل موسيقية وجناس، لا يمكن نقله إلى الإنجليزية. والاستعارة والكناية، وهي من صميم البيان القرآني، تفقد تأثيرها إذا ترجمت حرفياً. كذلك فإن التقديم والتأخير البلاغي، كقوله تعالى “إياك نعبد”، يصعب نقله بنفس الأثر في الإنجليزية، لأن الترتيب الطبيعي في الإنجليزية لا يحمل نفس دلالة الحصر والتخصيص التي تحملها العربية.
التحديات التفسيرية
وتبرز التحديات التفسيرية من تعدد القراءات المتواترة للآية الواحدة، مما قد يغير المعنى، ومن حاجة القارئ إلى معرفة أسباب النزول لفهم السياق التاريخي، ومن وجود الآيات المتشابهات التي تحتاج إلى ترجمة دقيقة مع شرح في الحواشي لتجنب سوء الفهم.
المحور الثالث: المعيار الصحيح.. الحرف أم المعنى؟
بعد استعراض الترجمات المختلفة، يبرز سؤال جوهري: هل المعيار هو التطابق الحرفي مع النص العربي، أم مطابقة المعنى والسياق وأصول التفسير؟
الجواب: المعيار الصحيح هو مطابقة المعنى المقصود في السياق، وفق أصول التفسير المعتمدة، وليس التطابق الحرفي الجامد. فالحرفية قد تؤدي إلى ركاكة أسلوبية تجعل النص غير مفهوم، وقد تؤدي إلى تضليل معنوي حين يُفهم القارئ معنى غير المقصود، كما تؤدي إلى فقدان الجمال البلاغي والإيقاعي الذي يميز النص القرآني.
لكن المقابل – أي التفسير الحر غير المقيد – خطير أيضاً، لأنه قد يؤدي إلى تحريف المعنى أو فرض رؤى ذاتية على النص. لذا، فإن المعيار الوسط هو الذي يجمع بين أمانة النقل، أي نقل المعنى كما فهمه السلف الصالح دون تحريف، ودقة التعبير باختيار الألفاظ التي تنقل المعنى بدقة في اللغة الهدف، وفهم المقاصد بمراعاة السياق والمقصد الشرعي للآية، مع مراعاة طبيعية اللغة وسلاسة الأسلوب وخلو النص من الركاكة، والتوثيق العلمي بالإشارة إلى الخيارات التفسيرية في الحواشي عند الحاجة.
المحور الرابع: مشروع “الفهم المعاصر للقرآن”.. رؤية منهجية جديدة
نبذة عن المشروع
“الفهم المعاصر للقرآن” (The Contemporary Understanding of the Qur’an) هو مشروع ترجمة جديد لمعاني القرآن إلى الإنجليزية، وضعه المترجم صافي كسكس، ويستند إلى منهجية فريدة تجمع بين الدقة اللغوية والفهم المقاصدي للقرآن ومراعاة القارئ المعاصر في الغرب والاستفادة من التطورات العلمية والمعرفية الحديثة. وقد استغرق أعداده سبع سنوات وتم نشره عام 2015.
الافتراضات الأساسية للمنهجية
يقوم المشروع على افتراض أن النص القرآني ثابت والمعنى ديناميكي. فالقرآن نص ثابت لا يتغير، لكن البشر تتطور معرفتهم وتفهمهم له. وهذا يعني أن الترجمة يجب أن تعكس فهماً معاصراً للآيات، خاصة في المجالات الكونية والعلمية، دون أن تخرج عن أصول التفسير المعتمدة.
ومثال ذلك سورة الطارق حيث فسرها المفسرون الأوائل بكوكب المشتري، لكن العلم الحديث يعرف النجم الثاقب بأنه “نجم نابض” (Pulsar). فالترجمة المعاصرة تختار التفسير العلمي الحديث لأنه يتوافق مع النص، دون أن تتعارض مع العقيدة.
كما يميز المشروع بين آيات النبوة وآيات الرسالة. فآيات النبوة تتعلق بالكون والقوانين الإلهية، وهي مفتوحة لفهم متجدد، بينما آيات الرسالة تتعلق بالعبادات والأحكام، وهي ثابتة مفصلة بالسنة النبوية. هذا التمييز يسمح للمترجم بالمرونة في فهم الآيات الكونية مع الالتزام بالثوابت في العبادات.
ويعتمد المشروع على مبدأ تفسير القرآن بالقرآن، فإذا اختلف تفسير المفسرين مع استعمال القرآن للكلمة في مواضع أخرى، يُعطى الأولوية للاستعمال القرآني.
كما يراعي المشروع الجمهور المستهدف، وهو القارئ الغربي المتعلم بمستوى ثانوي، باستخدام لغة إنجليزية معاصرة، وتجنب التعقيد غير المبرر، وإضافة حواشي تفسيرية عند الحاجة.
ويتخذ المشروع موقفاً واضحاً من خطاب القرآن عن أهل الكتاب، حيث تُفهم الآيات التي تذكر “اليهود” أو “النصارى” في سياقها التاريخي الخاص، أي أنها تتحدث عن فئات معينة متورطة في أحداث محددة، وليست حكماً على كل اليهود أو كل النصارى.
إجراءات الترجمة العملية
في الترجمة العملية، يتبع المشروع منهج ترجمة المعنى لا الحرف، أي ترجمة الأفكار والمقاصد وليس الكلمات حرفياً. وتعطى الأولوية للمعنى على الشكل، فيُغير التركيب النحوي إذا لزم الأمر لتوصيل المعنى بوضوح. وتراعى الطبيعية اللغوية بحيث يبدو النص طبيعياً ومفهوماً للقارئ الإنجليزي. وتُختار المفردات بعناية، بتفضيل الكلمات الشائعة على القديمة، مع دقة في المصطلحات المفتاحية. ويُقسم النص إلى فقرات موضوعية لتسهيل الفهم على القارئ الغربي غير المعتاد على النص القرآني المتصل. وتُضاف حواشي تفسيرية لشرح المصطلحات الإسلامية والسياقات التاريخية والخيارات التفسيرية. وتُجرى مراجعة من قبل ناطقين أصليين لضمان السلامة اللغوية والطبيعية، ويُختبر النص على جمهور واسع في الولايات المتحدة ومجتمعات إنجليزية أخرى لضمان وضوح المعنى.
أثر المنهجية في الصياغة النهائية
ينعكس أثر هذه المنهجية في الصياغة النهائية للترجمة على عدة مستويات. ففي المفردات، تُستخدم ترجمات دقيقة مثل “unjust” أو “criminals” بدلاً من “evildoers” أو “sinners” حسب السياق، لتكون أدق في إيصال المعنى. وفي الأسلوب، تُغير التراكيب النحوية لتتناسب مع الإنجليزية مع الحفاظ على المعنى الأصلي. وفي الحواشي، تُذكر الخيارات التفسيرية عند وجود خلاف معتبر لإثراء فهم القارئ.
المحور الخامس: الخاتمة.. نحو ترجمة تجمع بين الأمانة والرسالة
تُظهر رحلة ترجمة معاني القرآن إلى الإنجليزية تطوراً مثيراً للاهتمام: من العداء إلى الموضوعية، ومن الحرفية إلى التفسيرية، ومن الجهود الفردية إلى المشاريع المؤسسية. ومع تزايد الحاجة إلى ترجمات معاصرة، يبرز مشروع “الفهم المعاصر للقرآن” كنموذج يجمع بين الأمانة العلمية بالالتزام بأصول التفسير والقراءات المعتمدة، والفهم المعاصر بالاستفادة من التطور المعرفي في فهم الآيات الكونية والمقاصدية، والوضوح اللغوي باستخدام لغة إنجليزية معاصرة مفهومة للقارئ الغربي، والشفافية بالإشارة إلى الخيارات التفسيرية عند الاختلاف.
خلاصة القول أن ترجمة معاني القرآن ليست مجرد نقل لغوي، بل هي جسر للحوار الحضاري، وأداة للتعريف بالإسلام، ووسيلة لتعليم المسلمين الجدد، وسلاح لمواجهة التشويه والإسلاموفوبيا. وهي تظل اجتهاداً بشرياً مفتوحاً للتطوير، يسعى إلى تقريب كلام الله إلى قلوب الناس وعقولهم، كلٌ بلغته التي يفهمها.
والله الموفق إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المراجع والمصادر المقترحة
- بيكثال، محمد مارمادوك(1930). The Meaning of the Glorious Qur’an.
- يوسف علي، عبد الله(1934). The Holy Qur’an: Text, Translation and Commentary.
- آربري، آرثر جون(1955). The Koran Interpreted.
- أسد، محمد(1980). The Message of the Qur’an.
- الهلالي، تقي الدين، وخان، محمد محسن(1977). Interpretation of the Meanings of the Noble Qur’an.
- كسكس، صافي. The Contemporary Understanding of the Qur’an(مخطوط/منشور).
- دراسات مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في ترجمة معاني القرآن.
- أبحاث جامعة الأزهر ومراكز الدراسات القرآنية في موضوع ترجمة النص القرآني.